ابن تيميه
96
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فصل [ المصنف لا يحرم زيارة القبور الزيارة الشرعية ] ثم قال المعترض : وصحّ عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم أنه خرج إلى زيارة قتلى أحد وإلى بقيع الغرقد . وهذا الأمر لا ينكره من أئمة النقل أحد . وفي الصحيح أنه صلى اللّه عليه وسلّم استأذن ربه في زيارة قبر أمه فأذن له ، وأجيب في ذلك لما سأله . فعلام يحمل هذا القائل زيارته لقبر أمه ومشيه الذي منه صدر ؟ فإن حمله على التحريم فقد ضلّ وكفر ، وإن حمله على الجواز والندب فقد لزمته الحجة والتقم الحجر . يقال : هذا الكلام مبنيّ على افترائه المتقدم ، وهو أن المجيب يحرّم زيارة القبور مطلقا ، وقد تقدم أن هذا افتراء عليه ، بل هو يجوّز زيارة قبور المؤمنين للدعاء لهم والاستغفار ، ويجوز زيارة قبر الكافر للرقة والاعتبار ؛ كزيارة النبي صلى اللّه عليه وسلّم قبر أمه . ثم يقال له : أولا : النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يسافر لزيارتها بل ذلك في طريقه لما فتح مكة . ويقال له : من أين لك أنه مشى إلى قبر أمه ؟ وإن كان المشي جائزا فإنه إنما زارها في طريقه في السفر ، وكان راكبا وقبرها كان بارزا ، فعله لما نزل عنده ، وقبرها كان بالأبواء ، بل نزل عنده لم يحتج إلى المشي إليه ، ولكن هذا لا خبرة له بالنصوص كيف قيلت ، ولا بتفصيل أفعال النبي صلى اللّه عليه وسلّم . ويقال له : هذه الزيارة ليست من جنس زيارة قبور الأنبياء والصالحين التي يقصد بها التبرك بهم ، ودعاؤهم والاستشفاع بهم ، فإن هذا لا يجوز أن يقصده النبي صلى اللّه عليه وسلّم بزيارة أهل البقيع وقتلى أحد ، فكيف بقبر أمه ؟ بل هذه الزيارة للرقة والاعتبار ، وهذه جائزة ما زال المجيب يجوّز هذه وأمثالها ، وهذا مذكور في عامة كتبه وفتاويه ، معروف عنه عند كل من يعرف ما يقول في هذا الباب . وليس في جواب الفتيا المتنازع فيها نهي عن هذا ، ولا حكاية النهي فيها عن أحد . والحديث قد رواه مسلم في صحيحه من وجهين عن أبي هريرة ، قال في أحدهما : « استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي » . وقال في الآخر : زار النبي صلى اللّه عليه وسلّم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال صلى اللّه عليه وسلّم : « استأذنت ربّي في أن أستغفر لها ، فلم يأذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها ؛ فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكّركم الموت » . وهذه الزيارة كانت عام الفتح في سفره .